سيف الدين الآمدي

48

غاية المرام في علم الكلام

لم يصح فيما سواها أيضا . ثم إن من قاس الغائب على الشاهد هاهنا فهو يعترف بأنه ليس في الشاهد فاعل موجد على الحقيقة بل الموجود في حقه ليس إلا الاكتساب ، بخلاف ما في الغائب . فإذا ما وجد في الشاهد لم يوجد في الغائب ، وما وجد في الغائب لم يوجد في الشاهد فأنى يصح القياس ؟ ! وأما القول بأنه إذا ثبتت هذه الأحكام ، فهي معللة بالصفات كما في الشاهد ، فقد قيل في إبطاله : إن هذه الأحكام واجبة للباري ، وكل ما وجب فإنه لا يفتقر إلى ما يعلل به . وهذا كما في الشاهد ، فإن التحيز للجوهر وقبوله للعرض ، لما كان واجبا لم يفتقر إلى علة ، وإنما المفتقر إلى العلة ما كان في نفسه جائزا غير واجب وذلك مثل كون العالم عالما في الشاهد ، ومثل وجود الحادث ونحوه . وهذا غير صحيح ؛ فإنه إن أريد بكونها واجبة للباري - تعالى - أنها لا تفتقر إلى علة فهو عين المصادرة على المطلوب . وإن أريد به أنه لا بدّ منها لواجب الوجود ، فذلك مما لا ينافي التعليل بالصفة . والقول بأن التحيز للجوهر وقبوله للعرض ، لما كان واجبا لم يفتقر إلى علة ، فهو مبني على فاسد أصول المعتزلة في قولهم : إن هذه توابع الحدوث ، وتوابع الحدوث مما لا يدخل تحت القدرة ولا ينسب إلى فعل فاعل . وليس الرأي الصحيح عند أهل الحق هكذا ، بل كل ما يتخيل في الأذهان ويخطر في الأوهام . مما له وجود . أصليا كان أو تابعا ، فهو مقدور له تعالى ، ومخلوق له ، ومنتسب في وجوده إليه ، وليس شيء مما يفرض في الشاهد واجبا بنفسه . اللهم إلا أن يعنى بكونه واجبا أنه لازم لما هو ثابت له ، على وجه لا تقع المفارقة له أصلا . لكن الواجب بهذا الاعتبار غير ممتنع أن يكون معللا ، كما سبق . فإن قيل : هذه الأمور اللازمة وإن كانت مفتقرة إلى فاعل مرجح ، لكنها لا تفتقر إلى صفة قائمة بمحلها تكون علة لها ، كما في افتقار العالمية في